صالح نصر الله ابن سلوم الحلبي

15

غاية الإتقان في تدبير بدن الإنسان

مقدمة المؤلف بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي زين عقولنا في جواهر الحكم البديعة ، ومرج عيون بصائرنا في رياض علم الطبيعة ، وأرشدنا إلى معرفة علم الصحة وإزالة المرض بعد ما نكون نعلم ، وخلق لنا من النبات والحيوان والمعدن ما يحفظ الصحة ويزيل السقم ، والصلاة والسلام على أكبر رسله الحاوي فضائل من تقدمه من الرسل الكرام الماضية ، الملينة بكلامه الموجز ، الشامل المواد الفاسدة من القلوب القاسية ، وعلى آله وصحبه الراقيين في النجاة مدارج معارجه ، السالكين في شفا الوجود إرشاد قانونه ومنهاجه . وبعد : فلما كان علم الطب بحرا لا يوصف له قرار ؛ وتيها واسعا لا يشق له غبار ، وقد دوّن في أصوله وفروعه الأساطين من حكماء اليونان وأطباء اللاتينين ، ما لا يعد ولا يحصى من الأسفار ، ثم أن الخلق من فحول أطباء الإسلام فصّلوا تلك الأصول تفصيلا لائقا بالاعتناء والاعتبار ، وأضافوا إلى ذلك أشياء كثيرة أداهم إلى استخراجها سلامة القريحة وصحة الأفكار . ثم لم يزالوا يبحثوا عن ذلك درجا بعد درج إلى أن قيل : الكل منهم لج فجج واستمر هذا القانون في كل عصر وقرن . وفي كل فخذ وبطن إلى أن مرضت الهمم وساءت أمزجة عزمات الأمم . مع أن السلف هونوا الأمر على الخلف ، وأراموا التدوينات حديث ما كسبوه عن التلف ، إلا أن أطباء العصر أضاعوا ما ورثوه عن السلف والخلف كورثة المال ، وقنعوا بظن العوام . أباهم أهل الكمال حتى